عبد السلام مقبل المجيدي
277
تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم
سرا من أسرار الاستهلال في سورة الأعلى بجذب النظر إلى الآيات الكونية ، وخلق اللّه سبحانه وتعالى لها ، ثم تحكمه بها ، فمتى ما شاء اطردت تلك القوانين ، ومتى ما شاء منعها من الاطراد ، وعطلها عن السريان ؛ فإذا أراد الإنسان التخلص من مشكلة النسيان ، فليسبح باسم ربه الأعلى الذي بيده مقاليد أمر الخلق ، وأسبابه ، وقوانينه ، والذي تعالى عن أن يحكمه شيء ، أو يعجزه أمر ؛ إذ يغدو القضاء على مشكلة النسيان آية في ذاته تخالف قوانينها ، القوانين المألوفة عند البشر ، وإن كانت تسير وفق قوانين أخرى في ذاتها « 1 » ؛ وإذ هي كذلك آية فلا بد لتحقيقها من إذن اللّه جلّ جلاله الذي يشمل أمره الابتدائي وإذنه المستمر وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ . . . " غافر / 78 " ، والافتتاح بأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بأن يسبح اسم ربه بالقول ، يؤذن بأنه سيلقي إليه عقبه بشارة وخيرا له ، وذلك قوله عزّ وجل سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى الآيات ، ففيه براعة استهلال « 2 » ، وفيه قال القرطبي : " وهذه بشرى من اللّه تعالى ، بشره بأن أعطاه آية بينة ، وهي أن يقرأ عليه جبريل عليه السلام ما يقرأ عليه من الوحي ، وهو أمي لا يقرأ ، ولا يكتب ، فيحفظه ولا ينساه " « 3 » ، " وهي بشرى لأمته من ورائه ، تطمئنّ بها إلى أصل هذه العقيدة ؛ فهي من اللّه عزّ وجل ، واللّه كافلها وحافظها في قلب نبيها " « 4 » . وفي هذا تأكيد على المصدرية الإلهية . 4 - ولإزالة أي آثار تشكيكية نابعة من احتمال نسيان الرسول صلى اللّه عليه وسلم لشيء من الوحي ، فقد قطّعت أنواط هذه المشكّكات بتقعيدين : عام وخاص :
--> ( 1 ) قرر الإمام الشاطبي في الموافقات أن الخوارق ليست خارجة عن جملة قوانين الكون ، وإن كانت خارجة عن مألوف القوانين المعروفة لنا ، انظر الموافقات 1 / 374 ، مرجع سابق عند كلامه على الأحكام الوضعية . ( 2 ) انظر : التحرير والتنوير 30 / 272 ، مرجع سابق . ( 3 ) تفسير القرطبي 20 / 18 ، مرجع سابق ، ونحوه في الكشاف 4 / 204 ، مرجع سابق . ( 4 ) ظلال القرآن 6 / 3892 ، مرجع سابق .